محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صفتهم . وأصل التبشير : إخبار الرجل الرجل الخبر يسره أو يسوءه لم يسبقه به إليه غيره . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني تعالى ذكره : وبشر يا محمد الصابرين ، الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني ، فيقرون بعبوديتي ، ويوحدونني بالربوبية ، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي فيستسلمون لقضائي ، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي ، ويقولون عند امتحاني إياهم ببعض محني ، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أن أبتليهم به من الخوف والجوع ونقص الأَموال والأَنفس والثمرات وغير ذلك من المصائب التي أنا ممتحنهم بها . إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياء ونحن عبيده وإنا إليه بعد مماتنا صائرون ؛ تسليما لقضائي ورضا بأحكامي . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : أُولئِكَ هؤلاء الصابرون الذين وصفهم ونعتهم عليهم ، يعني لهم صلوات يعني مغفرة . وصلوات الله على عباده : غفرانه لعباده ، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " يعني اغفر لهم . وقد بينا الصلاة وما أصلها في غير هذا الموضع . وقوله : وَرَحْمَةٌ يعني ولهم مع المغفرة التي بها صفح عن ذنوبهم وتغمدها رحمة من الله ورأفة . ثم أخبر تعالى ذكره مع الذي ذكر أنه معطيهم على اصطبارهم على محنه تسليما منهم لقضائه من المغفرة والرحمة أنهم هم المهتدون المصيبون طريق الحق والقائلون ما يرضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب . وقد بينا معنى الاهتداء فيما مضى فإنه بمعنى الرشد بالصواب . وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ قال : أخبر الله أن المؤمن إذا سلم الأَمر إلى الله ورجع واسترجع عند المصيبة ، كتب له ثلاث خصال من الخير : الصلاة من الله ، والرحمة ، وتحقيق سبيل الهدى . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفا صالحا يرضاه " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ يقول : الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان العصفري ، عن سعيد بن جبير ، قال : ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأَمة : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ولو أعطيها أحد لاعطيها يعقوب عليه السلام ، ألم تسمع إلى قوله : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ والصفا : جمع صفاة ، وهي الصخرة الملساء ، ومنه قول الطرماح : أبى لي ذو القوى والطول ألا * يؤنس حافر أبدا صفاتي وقد قالوا إن الصفا واحد ، وأنه يثنى صفوان ويجمع أصفاء وصفيا وصفيا ؛ واستشهدوا على ذلك بقول الراجز : كأن متنيه من النفي * مواقع الطير على الصفي وقالوا : هو نظير عصا وعصي ورحا ورحي وأرحاء . وأما المروة فإنها الحصاة الصغيرة يجمع قليلها مروات ، وكثيرها المرو مثل تمرة وتمرات وتمر . قال الأَعشى ميمون بن قيس : وترى بالأَرض خفا زائلا * فإذا ما صادف المرور ضح يعني بالمرو : الصخر الصغار . ومن ذلك قول أبي ذويب الهذلي : حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشرق كل يوم تقرع ويقال " المشقر " . وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ في هذا الموضع : الجبلين المسميين بهذين